استغلال المقالع الرملية في المغرب: بين الضرورة التنموية وتحديات الاستدامة البيئية
بدر.شاشا
يشكل استغلال المقالع، خاصة مقالع الرمال، إحدى الدعائم الأساسية لقطاع البناء والأشغال العمومية، حيث يرتبط بشكل مباشر بدينامية التوسع العمراني والبنيات التحتية. فالرمال والحصى تعتبر مواد أولية لا غنى عنها في صناعة الخرسانة والطرق والمنشآت، وهو ما يجعل الطلب عليها في تزايد مستمر، خصوصاً في الدول النامية التي تعرف نمواً حضرياً متسارعاً مثل المغرب. غير أن هذا النشاط، رغم أهميته الاقتصادية، يطرح تحديات بيئية واجتماعية عميقة، خاصة عندما يتم بشكل مفرط أو غير منظم.
تتعدد أشكال استغلال المقالع تبعاً لطبيعة الموقع الجغرافي وعمق تواجد المادة، حيث تظل المقالع المكشوفة الأكثر انتشاراً، إذ تمثل ما يفوق 85% من مجموع المقالع المستغلة، نظراً لسهولة الوصول إلى الموارد وقلة تكاليف الاستخراج مقارنة بالأنماط الأخرى. وتعتمد هذه الطريقة على إزالة الطبقات السطحية للتربة للوصول إلى الرمال أو الصخور، مما يؤدي إلى تغيير مباشر في تضاريس المجال الطبيعي. في المقابل، تبقى المقالع الباطنية محدودة نسبياً، حيث لا تتجاوز 5% من مجموع الاستغلالات، نظراً لتعقيداتها التقنية وارتفاع تكلفتها، في حين تعرف المقالع المائية توسعاً متزايداً، خاصة في المناطق الساحلية، حيث يتم استخراج الرمال من قاع البحار أو الأودية بنسبة تقارب 10% من إجمالي الإنتاج الوطني.
وتشير المعطيات إلى أن الاستهلاك السنوي للرمال في المغرب يقدر بما بين 20 و25 مليون متر مكعب، يوجه أكثر من 70% منه إلى قطاع البناء، بينما يتم استغلال ما يقارب 1500 مقلع على الصعيد الوطني، منها نسبة مهمة تشتغل بطرق غير قانونية أو في وضعية غير مهيكلة، وهو ما يعمق من حدة التأثيرات البيئية. فعمليات استخراج الرمال، خاصة من السواحل، تؤدي إلى تآكل الشواطئ بمعدلات قد تصل إلى متر واحد سنوياً في بعض المناطق، مما يهدد التوازن الساحلي ويؤثر على التنوع البيولوجي البحري.
كما أن استنزاف الرمال من الأودية يؤدي إلى اختلال في الدينامية الطبيعية للأنهار، حيث تتراجع قدرتها على تجديد الرواسب، مما يزيد من مخاطر الفيضانات والانجرافات. وقد أظهرت دراسات ميدانية أن بعض المناطق شهدت انخفاضاً في مستوى الفرشة المائية بأكثر من 2 إلى 5 أمتار نتيجة الاستغلال المفرط للمقالع، وهو ما ينعكس سلباً على النشاط الفلاحي وعلى توازن النظم البيئية المحلية.
من جهة أخرى، يخلف نشاط المقالع آثاراً مباشرة على جودة الهواء، نتيجة انبعاث الغبار والجسيمات الدقيقة، التي قد تتجاوز في بعض المواقع الحدود المسموح بها بنسبة تصل إلى 300%، مما يشكل خطراً على صحة العمال والسكان المجاورين، خاصة فيما يتعلق بأمراض الجهاز التنفسي. كما أن الضجيج الناتج عن الآليات الثقيلة والتفجيرات في بعض المقالع يتجاوز في أحيان كثيرة 90 ديسيبل، وهو مستوى يفوق المعايير الصحية الدولية.
ورغم هذه التحديات، فقد سعت السلطات إلى تأطير هذا القطاع من خلال ترسانة قانونية وتنظيمية تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على البيئة، حيث أصبح الحصول على رخصة استغلال مشروطاً بإجراء دراسة التأثير على البيئة، وتقديم كفالة مالية لإعادة تهيئة الموقع بعد انتهاء الاستغلال. كما تم إحداث لجان جهوية لتتبع المقالع، تعمل على مراقبة مدى احترام المستغلين للمعايير التقنية والبيئية.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود القوانين، بل في مدى تفعيلها على أرض الواقع، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 30 و40% من المقالع تشتغل خارج الإطار القانوني، مما يطرح تحديات كبيرة في مجال الحكامة البيئية. لذلك، أصبح من الضروري اعتماد مقاربة شمولية تقوم على تعزيز المراقبة، وتشجيع استعمال مواد بديلة للرمال الطبيعية، مثل الرمال المصنعة، التي يمكن أن تغطي ما يصل إلى 20% من الطلب الوطني في أفق السنوات القادمة.
إن استغلال المقالع الرملية يظل نشاطاً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه يتطلب تدبيراً عقلانياً يراعي محدودية الموارد الطبيعية وهشاشة التوازنات البيئية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وقف الاستغلال، بل في تحويله إلى رافعة للتنمية المستدامة، تضمن تلبية حاجيات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومتوازنة.
