تفعيل سجل وطني موحد للشواهد والدبلومات ومنصة رقمية موحدة للإدارات في المغرب
بدر شاشا
يشكل موضوع توحيد الشواهد والدبلومات وربط الإدارات بمنصة إلكترونية موحدة أحد أهم التحولات الاستراتيجية الممكنة في إصلاح الإدارة العمومية والقطاع الخاص، لأنه يمس مباشرة مشكل الثقة في الوثائق، البطء الإداري، التزوير، وتعدد المساطر الورقية التي تعرقل المواطن والمقاولة وسوق الشغل.
الفكرة الأساسية تقوم على إنشاء سجل وطني رقمي موحد للشواهد والدبلومات، يشمل جميع المستويات التعليمية والتكوينية، سواء الصادرة عن القطاع العام أو القطاع الخاص أو مؤسسات التكوين المهني أو الجامعات أو المعاهد المعترف بها. هذا السجل لا يكون مجرد أرشيف، بل قاعدة بيانات وطنية مركزية مرتبطة بهوية رقمية لكل مواطن، بحيث يصبح كل دبلوم أو شهادة قابلاً للتحقق الفوري عبر نظام إلكتروني مؤمن.
هذا النظام يسمح لكل إدارة أو مؤسسة أو شركة بالتحقق من صحة أي شهادة دون الحاجة إلى طلب نسخ ورقية أو مصادقة متعددة، حيث يكفي إدخال رقم وطني أو رمز QR للحصول على جميع المعلومات الرسمية المرتبطة بالشهادة، مثل المؤسسة المانحة، تاريخ الحصول عليها، التخصص، ومستوى الاعتراف.
إدماج القطاع الخاص في هذا النظام ضروري جدًا، لأن جزءًا كبيرًا من التكوينات والدبلومات المهنية يصدر عنه، وبالتالي يجب أن يكون ملزمًا بتسجيل جميع الشهادات في المنصة الوطنية وفق معايير موحدة، مما يحد من انتشار الدبلومات غير المعترف بها أو ضعيفة الجودة، ويعزز الشفافية داخل سوق التكوين والتشغيل.
هذا السجل الموحد سيحل مجموعة كبيرة من المشاكل الحالية، أهمها القضاء على تكرار طلب الوثائق من المواطنين في كل إدارة، وتقليص الزمن الإداري بشكل كبير، وتقليل الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح الباب أمام الفساد أو الوساطة، إضافة إلى تسهيل عمليات التوظيف والمباريات والتسجيلات الجامعية والوظيفية.
إلى جانب سجل الشواهد، تأتي فكرة إنشاء منصة إلكترونية موحدة للإدارات العمومية، تكون بمثابة بوابة رقمية مركزية تربط جميع الوزارات والمؤسسات والجماعات الترابية. هذه المنصة تهدف إلى تحويل الإدارة من نموذج يعتمد على الورق والتنقل بين المصالح إلى نموذج رقمي يعتمد على تبادل البيانات بشكل مباشر وآني.
من خلال هذه المنصة، لن يكون المواطن مضطرًا لتقديم نفس الوثائق في كل مرة، لأن الإدارات ستكون مرتبطة ببعضها البعض، ويمكن لأي إدارة الوصول إلى البيانات الضرورية بشكل قانوني ومؤمن، مما يقلل بشكل كبير من التعقيد الإداري ويزيد من سرعة تقديم الخدمات.
هذه المنظومة الرقمية يمكن أن تشمل أيضًا نظام مراسلات إلكتروني رسمي بين الإدارات بدل المراسلات الورقية، مع توقيع إلكتروني معتمد، وأرشفة رقمية لكل الملفات، مما يجعل عملية تتبع الملفات أكثر شفافية ودقة وسهولة.
كما يمكن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل هذه المنصة لتحليل البيانات الإدارية، وتوقع الحاجيات المستقبلية في التوظيف، وكشف التناقضات أو الشهادات المشبوهة، وتحسين اتخاذ القرار داخل الإدارة العمومية.
من الناحية الاقتصادية، هذا التحول الرقمي سيقلل بشكل كبير من كلفة الطباعة واللوجستيك الإداري، ويقلل الزمن الضائع في معالجة الملفات، ويرفع من جاذبية الاستثمار داخل البلاد بسبب وضوح وسرعة المساطر الإدارية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإنه سيعزز مبدأ العدالة الإدارية، لأن جميع المواطنين سيخضعون لنفس النظام الرقمي الشفاف، دون تفاوت في المعاملة أو تفاوت في الوصول إلى المعلومات. نجاح هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية قوية، وإطار قانوني واضح لحماية البيانات، واستثمار كبير في البنية التحتية الرقمية، وتكوين الموارد البشرية داخل الإدارات، لكنه في المقابل يمثل تحولًا جذريًا نحو إدارة حديثة وذكية، قادرة على رفع كفاءة الدولة وتحسين علاقتها بالمواطن في .