الكراء في المغرب

تفعيل وكالة وطنية لتتبع الكراء في المغرب: مدخل لتحقيق العدالة الجبائية وحماية القدرة الشرائية

إعداد: بدر شاشا

في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، برزت إشكالية الكراء غير المهيكل كواحدة من أبرز التحديات التي تمس العدالة الجبائية والتوازن الاجتماعي. إذ أصبح قطاع الكراء، سواء تعلق بالغرف أو الشقق أو الأسطح، مجالاً خصباً لممارسات غير قانونية، حيث يحقق عدد كبير من المُلّاك مداخيل مهمة دون التصريح بها أو أداء الضرائب المستحقة.

تشير المعطيات الواقعية إلى أن جزءاً مهماً من سوق الكراء في المغرب يشتغل خارج الإطار القانوني. فهناك من يقوم بكراء غرفة بسيطة بمبلغ يصل إلى 1200 درهم، أو شقة متواضعة بـ2000 درهم، أو حتى سطح غير مهيأ للعيش بـ1400 درهم، دون أي التزام ضريبي. في المقابل، نجد فئة أخرى تحترم القانون وتؤدي ما عليها من ضرائب، مما يخلق حالة من عدم تكافؤ الفرص ويضرب مبدأ العدالة الجبائية في العمق.

إن هذه الوضعية لا تضر فقط بخزينة الدولة، التي تحرم من موارد مالية مهمة، بل تؤثر أيضاً بشكل مباشر على المواطن المكتري، الذي يجد نفسه أمام أسعار مرتفعة لا تعكس بالضرورة جودة السكن أو قيمته الحقيقية. كما أن غياب المراقبة يفتح الباب أمام استغلال غير مبرر، حيث يحدد بعض المُلّاك أثماناً مبالغاً فيها دون رقيب أو حسيب.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إحداث وكالة وطنية لتتبع الكراء، تكون تحت إشراف وزارة المالية، وتُعنى بمراقبة وتنظيم هذا القطاع الحيوي. ويمكن أن تضطلع هذه الوكالة بعدة مهام أساسية، من بينها:

جرد شامل لجميع العقارات المعدة للكراء على الصعيد الوطني.

فرض التصريح الإجباري بعقود الكراء وربطها بنظام معلوماتي مركزي.

مراقبة الأسعار وضمان توافقها مع معايير محددة تراعي الموقع والجودة.

تفعيل نظام ضريبي عادل وشفاف يشمل جميع المُلّاك دون استثناء.

فرض عقوبات وغرامات على المخالفين، بما يضمن احترام القانون.

إن تفعيل مثل هذه الآلية من شأنه أن يحقق عدة مكاسب استراتيجية. فمن جهة، سيمكن الدولة من تعبئة موارد مالية إضافية يمكن توجيهها نحو قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، سيساهم في حماية القدرة الشرائية للمواطنين عبر ضبط الأسعار والحد من المضاربات.

كما أن تنظيم قطاع الكراء سيعزز من جاذبية الاستثمار العقاري، من خلال خلق بيئة شفافة ومستقرة قائمة على قواعد واضحة، وهو ما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني ككل.

إصلاح قطاع الكراء لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة تفرضها متطلبات العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. وإحداث وكالة وطنية لتتبع الكراء يشكل خطوة جريئة نحو تقنين هذا المجال، وتحقيق التوازن بين حقوق المُلّاك والمكترين، بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن على حد سواء.

بدر شاشا