الكتب والتقارير والحقيقة والإنسان: بين الصدق والوهم حتى معطيات والأرقام تكون تقديرية فقط ليست حقيقية واقعية بدر شاشا

الكتب والحقيقة والإنسان: بين الصدق والوهم حتى معطيات والأرقام تكون تقديرية فقط ليست حقيقية واقعية

إعداد بدر شاشا

الكتب والمراجع والأبحاث التي نقرأها كل يوم تحمل بين صفحاتها عالماً يبدو كاملاً متكاملاً، عالماً يزخر بالمعلومات والأحداث والقصص التي يعتقد القارئ أنها حقيقية وأنها تعكس الواقع كما هو، لكن الحقيقة أن هذه الحقيقة غالبًا ما تكون مشوهة أو ناقصة أو حتى ملفقة أحيانًا ليس هناك دليل مباشر يمكن أن يثبت أن ما كتبه المؤلف هو واقع صادق تماما لأننا نحن البشر لم نكن حاضرين في كل حدث ولم نشهد كل تجربة أو حادثة بنفسنا لذلك كل كتاب وكل بحث وكل رواية وحتى التواريخ المدوّنة ليست أكثر من محاولة الإنسان أن يوثق العالم بعقله وفهمه وذاكرته وميوله الشخصية والأخطاء التي لا يستطيع تفاديها الإنسان كائن قابل للخطأ والكذب والمبالغة، والكذب ليس دائمًا قصد الإيذاء بل أحيانًا هو مجرد تشويه غير مقصود للحقائق نتيجة للذاكرة المحدودة والتفسير الشخصي لكل حدث لذلك عندما نقرأ كتابًا أو دراسة نميل إلى الثقة في المؤلف ونظن أن كل كلمة فيها صحيحة وهذا الثقة في الواقع مبنية على افتراضات لا دليل لها أحيانًا كثيرة نقرأ كتبًا تتحدث عن حروب عظيمة أو اكتشافات علمية أو شخصيات تاريخية ونتصور أننا أمام حقيقة مطلقة لكن هل رأينا هذه الأحداث بأعيننا هل كنا موجودين لنشهد كل تلك التفاصيل يمكننا فقط أن نثق بما يقدمه المؤلف وفق خبرته ومصداقيته الشخصية وأحيانًا وفق المصادر التي اعتمد عليها، لكن حتى المصادر القديمة نفسها تحمل تحيزات وأخطاء فكل مؤرخ وكل كاتب وكل باحث هو إنسان له رغباته وأهواؤه ولديه حاجات نفسية واجتماعية قد تؤثر على ما يكتبه كل كتاب قد يستند على كتاب آخر وقد يستند على رواية أو خبر شائع لكن هذا لا يمنحه اليقين التام بأن كل ما جاء فيه صادق، فالحقيقة المطلقة في التاريخ أو الأدب أو العلم نادراً ما يمكن الوصول إليها وكل ما نملكه هو محاولات الإنسان المستمرة لفهم العالم وتوثيقه بطريقة عقلانية وواقعية قدر الإمكان، وحتى الكتب التي تُباع بالملايين وتحقق شهرة واسعة ليست دليلاً على صدقها فالشهرة ليست مرادفًا للحقيقة فالكثير من الكتب المشهورة تحمل وجهات نظر محددة أو تحليلات غير مكتملة أو روايات مبالغ فيها أحيانًا، ولنتذكر دائمًا أن الإنسان بطبعه كائن معقد قابل للخطأ والكذب والمبالغة ومبالغ فيه أحيانًا فهو يضيف تفاصيل أو يزيل أخرى أو يفسر الأحداث بطريقة تناسب رؤيته أو معتقداته لذلك عندما نقرأ أي كتاب يجب أن نمتلك قدرًا من الحذر ووعيًا بأن الحقيقة المطلقة ربما لن نصل إليها أبدًا وأن كل كتاب وكل دراسة وكل مقال هي جسر بيننا وبين الحقيقة لكنها ليست الحقيقة نفسها كل ما يقدمه المؤلف هو محاولة صادقة أو غير صادقة للاقتراب من الواقع بما يراه ويعتقده وما يعرفه وما تعلمه وما يريد أن يوصله لنا نحن القراء في النهاية القراءة تجربة معقدة ممتعة وملهمة لكنها أيضًا تجربة تحتاج للوعي النقدي والقدرة على التمييز بين ما نراه حقيقيًا وما قد يكون مجرد تصور أو رواية أو تفسير بشري محدود، والاعتراف بهذه الحقيقة لا يقلل من قيمة الكتاب أو المؤلف بل يزيد من تقديرنا للتحدي الكبير الذي يواجه كل إنسان يحاول أن يوثق العالم ويترك أثرًا يربط الماضي بالحاضر ويمكّن الأجيال القادمة من التعلم والفهم رغم محدودية الحواس البشرية وقيود العقل والذاكرة، لذلك كل كتاب وكل بحث وكل قصة تحمل بين طياتها جزءًا من الحقيقة وجزءًا من محاولة الوصول إلى الحقيقة وجزءًا من رأي وتفسير المؤلف وهذا ما يجعل القراءة مغامرة مستمرة لاكتشاف العالم والإنسان ونفسه بطريقة أعمق وأكثر وعيًا، وفي النهاية يجب أن نعترف أن الإنسان كائن معقد يتصارع بين الصدق والكذب وبين المعرفة والوهم وبين الحقيقة والخيال وكل كتاب وكل دراسة وكل تجربة هي انعكاس لهذا الصراع البشري المستمر.