الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للبطالة، العنوسة والطلاق في المغرب
بدر شاشا
تعكس ديناميكيات سوق الشغل في المغرب تفاعلاً مركباً بين العوامل الاقتصادية والبناءات الاجتماعية. إذ يقف ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والنساء، كعامل مؤثر في مسارات الحياة الأسرية، بما في ذلك سن الزواج ومعدلات العنوسة والطلاق. يعالج هذا التحليل هذه الظواهر بصرامة علمية، مع استناد إلى البيانات الرسمية المتاحة وتقارير مؤسسات إحصائية معتمدة.
الواقع الاقتصادي لسوق العمل
تشير البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة في المغرب سجل حوالي 13 ٪ في الربع الرابع من 2025، مقابل انخفاض طفيف في بعض الفترات السابقة، وهو ما يعكس استمرار ضغوط نقص التشغيل مقارنة بالنشاط الاقتصادي العام، مع وجود 1.62 مليون شخص عاطل عن العمل في سوق الشغل المغربي بنهاية 2025.
ويزداد هذا المعدل بشكل ملحوظ بين الفئات العمرية الصغيرة، إذ يمكن أن يرتفع معدل البطالة بين الشباب إلى مستوى فوق 35 ٪ أو أكثر، خاصة في المدن الكبرى، مقارنةً بالمعدلات العامة، مما يعكس تهميشاً نسبياً لهذه الفئة في سوق العمل الرسمي.
تشير الدراسات إلى هيمنة القطاعات غير الرسمية والعمل غير المهيكل على نسب كبيرة من النشاط الاقتصادي، وهو ما يحد من التغطية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي، حتى عندما تكون البيانات الرسمية تشير إلى ارتفاع قياسي في التوظيف. كما يتجلى ضعف مشاركة النساء في سوق العمل، إذ تبقى نسبة مشاركتهن الاقتصادية منخفضة مقارنة بالرجل، مع تقديرات تشير إلى أن احتمالية المرأة المغربية أن تكون „غير فعالة“ في سوق الشغل (أي خارج القوة العاملة) تبلغ مستويات مرتفعة مقارنة بالرجال.
البطالة والرفاه الاجتماعي
إن بطالة الشباب والخريجين مؤشّر على ضعف تكامل سياسات التعليم وسوق العمل، وقد يلقي بظلاله على أهداف الارتباط الأسري والاستقرار الاجتماعي. الأداء غير الكافي لسوق الشغل، مع ارتفاع مدخرات الشباب من دون قنوات تشغيل ملائمة، يؤدي إلى صعوبات في تأسيس الأسر، ما يرتبط بظاهرة العنوسة (تأخر الزواج أو عدم الارتباط) كنتاج لتحديات اقتصادية واجتماعية مترابطة.
العنوسة كظاهرة اجتماعية واقتصادية
تشير بيانات التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إلى تغيرات جوهرية في البنية الأسرية في المغرب، بما في ذلك ارتفاع نسبة الأفراد الذين يبلغون سن الخمسين دون أن يكونوا متزوجين، فقد ارتفعت هذه النسبة من 3.9 ٪ في عام 2004 إلى حوالي 11.1 ٪ في عام 2024، وهي دلالة على تحولات عميقة في نمط الزواج والأسرة بالمغرب.
وتظهر الإحصاءات انخفاضاً في حالات الزواج المبكر، وهو مؤشر إيجابي، لكنه يقابله ارتفاع في „العنوسة“ لدى الفئات العمرية المتوسطة، وهو ما يترافق عادة مع ارتفاع متطلبات الاستقرار المالي وسوق العمل غير المستقر.
ترتبط هذه الظاهرة بأبعاد ثقافية واقتصادية متعددة: ارتفاع مستوى التعليم، تغيّر أدوار الجنسين، الارتفاع النسبي في تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الاستثمار في المستقبل الأسري في ظل بيئة تشغيلية صعبة. تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن الزواج التقليدي دون ارتباط قد يكون في أكثر من 8 ملايين شخص، خاصة في المراكز الحضرية الكبرى.
الطلاق والتحولات الأسرية
تشهد مؤشرات الزواج والطلاق في المغرب تغيّرات هيكلية، فقد ارتفع عدد حالات الطلاق بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين. وفقاً لتقرير حديث لهيئة الإحصاء، ارتفع عدد حالات الطلاق من حوالي 44,408 حالة في 2014 إلى نحو 67,556 في 2023 قبل أن يسجل 65,475 في 2024.
كما أصبحت الطلاقات بالتراضي بين الزوجين تشكل الجزء الأكبر من حالات الانفصال، إذ ارتفعت النسبة من حوالي 63.1 ٪ في عام 2014 إلى نحو 89.3 ٪ في 2024، ما يعكس تغيراً في المواقف الاجتماعية نحو أساليب فضّ الزواج.
هذا الارتفاع في معدلات الطلاق يمكن تفسيره بترابط بين عوامل اقتصادية واجتماعية، من بينها الضغوط الاقتصادية، ضعف فرص التشغيل المستقرة، وتغيرات في القيم الأسرية والثقافية. إذ يصبح الزواج مشروعاً أكثر تعقيداً عندما تتطلب الحياة الأسرية ركائز اقتصادية قوية في مجتمع يشهد معدلات بطالة متوسطة إلى مرتفعة.
التفاعل بين البطالة، العنوسة، والطلاق
تتفاعل هذه المتغيرات في سياق واحد: حدّة البطالة وعدم الاستقرار الوظيفي يمكن أن تؤخر أو تمنع تأسيس الأسر، مما ينعكس على ارتفاع نسب العنوسة بين الفئات العمرية المنتجة اجتماعياً. في الوقت نفسه، فإن الضغوط المالية المرتبطة بفرص شغل غير مستقرة أو دخول غير كافٍ للأسرة قد تكون من بين الأسباب التي تسهم في زيادة معدلات الطلاق، حيث تبرز التحديات الاقتصادية كعامل مخفف أو مساهم في الخلافات الزوجية.
هذه المرتكزات ليست منفصلة عن التغيرات الثقافية في المجتمع المغربي، بما في ذلك ارتفاع مستوى التعليم (خاصة لدى النساء)، وتغير أدوار الأسرة، إضافة إلى تحولات في القيم المرتبطة بالاستقلالية الفردية وفضائل التوافق الزوجي
إن العلاقة بين البطالة وسوق العمل من جهة، وبين العنوسة والطلاق من جهة أخرى، ليست ضرورة سببية بسيطة، بل هي نتاج تفاعل متعدد الأبعاد بين الاقتصاد، القيم الاجتماعية، وسياسات الدولة. إن معالجة ظاهرة البطالة بما يشمل التمييز بين الجنسين، وتحسين جودة التشغيل، يمكن أن يساهم في تخفيف الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالارتباط الأسري والاستقرار الأسري. يرتبط ذلك بتحسين فرص الشباب في بناء حياة مستقرة، ما يعزز من القدرة على تأسيس أسر ويدعم استدامة التجربة الأسرية في المجتمع المغربي في العصر الراهن.